كثيرًا ما نتحدث عن أهمية تدريس الثقافة في فصول اللغة، وهي أهمية لا تخفى على أحد. فالثقافة تُحيي اللغة وتمنحها روحها، وتفتح أمام الطالب آفاقًا للتفكير والتساؤل والانتماء.
لكن ثمة حديثًا آخر، أقل شيوعًا وأكثر أهمية.
حديث يبدأ بسؤال بسيط نادرًا ما نطرحه على أنفسنا:
من أنا في هذا الفصل؟ وماذا أحمل معي حين أختار ما أُدرّسه؟
نشأنا جميعًا في سياقات ثقافية شكّلت طريقة تفكيرنا ورؤيتنا للعالم، وكثيرًا ما نحمل هذه الرؤية إلى الفصل دون أن ندرك ذلك. فنميل إلى النصوص التي تُريحنا، ونتجنب ما يُربكنا، ونختار المحتوى الذي يُعزز ما نعرفه ونؤمن به — وهذا ما يُعرف بـالتحيُّز التأكيدي.
والمفارقة أن هذا التحيز لا علاقة له بمستوى المعلم أو خبرته. فكلما امتلك قدرة أكبر على التحليل والنقاش، كان أمهر في تبرير اختياراته لنفسه وللآخرين؛ مما يجعل التحيز أصعب اكتشافًا وأعمق أثرًا.
***
فكيف نخرج من هذه الدائرة؟
الجواب، في تجربتي، يبدأ بكلمة واحدة: الفضول.
لا يعني ذلك أن نتخلى عن كل ما نعرفه، بل أن نُعيد النظر في طريقة اختيارنا وندعو طلابنا إلى الاشتراك في هذا القرار. فحين نسألهم عمّا يُثير اهتمامهم، تفاجئنا إجاباتهم، وتُغنينا.
ومن أكثر ما أوصي به في هذا السياق:
✨ أشرك طلابك في اختيار النصوص — لا تنفرد بكل القرارات؛ اسألهم ما الذي يستوقفهم، وما الذي يريدون فهمه
✨ افتح الفصل لأصوات متعددة، لخلفيات مختلفة — فنحن نتعلم من ضيوفنا وطلابنا بقدر ما يتعلمون منا
✨ تحدَّ المناهج المقررة — المقرر الدراسي لا يعكس دائمًا التنوع الحقيقي للعالم العربي، وإعادة النظر فيه مسؤوليتنا
✨ استخدم ما يُحرّك التفكير — صورة مثيرة للتساؤل، مقطع من ثقافة مختلفة، موقف لا إجابة واضحة له؛ هذا التوتر المعرفي هو حيث يحدث التعلم الحقيقي
✨ كن قدوة في التواضع الفكري — أنا دائمًا أقول لطلابي: “اليوم أرى هذه المسألة بطريقة معيّنة، لكنني قد أُغيّر رأيي غدًا أو بعد شهر”. ثم أُضيف: “سأقلق عليك إن لم يتغير رأيك يومًا ما”
هدفنا ليس أن يصبح طلابنا أشخاصًا مختلفين، بل أن يُدركوا أننا جميعًا نعيش تحت وهم أن واقعنا هو الواقع الوحيد. وحين يفهمون ذلك، يصبحون أكثر قدرة على التعامل مع العالم من حولهم.
هويتنا ليست ثابتة.
وهذا ليس ضعفًا، بل هو شرط النمو 🌱
