لعقود طويلة، لم يستوعب الأكاديميون الغربيون التعدّد اللغوي الذي يميّز العربية عن غيرها من اللغات. فذهبوا إلى القول بأن العربية لغة “ازدواجية” تقوم على صيغتين رئيستين: صيغة راقية أو “عالية”، وأخرى “عامية” لا ترقى بالمستوى (أو كما يقول البعض: نسخة مشوّهة من العربية
غير أن هذا التصور المبسّط والمُخِلّ بحقيقة اللغة العربية تمّ دحضه من قبل الكثير من الباحثين وعلى رأسهم الأستاذ الراحل السعيد بدوي الذي أوضح في دراسته الرائدة مستويات العربية المعاصرة في مصر، أنّ ثمة خمسة مستويات أو سجلات لغوية متمايزة على أقل تقدير في اللغة العربية، يُستعمل كل منها في سياق اجتماعي مختلف
أمّا اللغوي المعاصر سعد مصلوح فيشبّه هذا المفهوم بقوس قزح، حيث يمثّل كل لون مستوى لغوياً متمايزاً. فكما يتعذّر عملياً أن نحدّد أين ينتهي لون وأين يبدأ الذي يليه، كذلك يستحيل تحديد الحدود الفاصلة بين مستوى لغوي وآخر. فثمة تداخل وانسيابية بين هذه المستويات. والمتحدث المتمكّن من العربية قادر على التنقّل بعفوية بين عدة مستويات وألوان من طيف اللغة العربية. هذه الأطياف لا تمثّل لغات منفصلة، بل مستويات من لغة واحدة يتداخل نسبياً بعضها في بعض ويفضي أحدها إلى الآخر
وتتجلّى هذه الحقيقة اللغوية في ظاهرة مدهشة حقاً: وهي أن العرب يستمعون اليوم إلى كتب صوتية لأعمال أُلّفت منذ مئات السنين، دون الحاجة إلى ترجمة أو تبسيط. فالناطق بالعربية الذي يمتلك إلماماً معقولاً بالعربية الفصحى المعاصرة، يستطيع فهم أعمال فكرية كُتبت منذ قرون بيُسر وسلاسة
الأمر إذن لا يقتصر على مجرد ازدواجية بين عربية راقية وعربية دنيا، بل هو طيف لغوي ثري ومعقّد للغاية. ويمثّل هذا من التحديات الكبرى عند دراسة وتدريس اللغة العربية كلغة ثانية
لا تنسوا أن تضغطوا على فيديو د. سعد مصلوح للمشاهدة

